الفيض الكاشاني
256
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
ويخشون ربّهم ويخافون سوء الحساب » قال : فلا تراني بعدها قاطعا رحما ( 1 ) . في إرشاد المفيد - رحمه اللَّه - وكان الصادق جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين ابن عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام من بين إخوته خليفة أبيه ووصيّه ، والقائم بالإمامة من بعده ، وبرّز على جماعتهم بالفضل ، وكان أنبههم ذكرا ، وأعظمهم قدرا ، وأجلَّهم في العامّة والخاصّة ، ونقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الرّكبان وانتشر ذكره في البلدان ، ولم ينقل العلماء عن أحد من أهل بيته ما نقل عنه ، ولا لقي أحد منهم من أهل الآثار ونقلة الأخبار ولا نقلوا عنهم كما نقلوا عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام فإنّ أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرّواة عنه من الثقات على اختلافهم في الآراء والمقالات ، فكانوا أربعة آلاف رجل ، وكان له عليه السّلام من الدّلائل الواضحة في إمامته ما بهرت العقول ، وأخرست المخالف عن الطعن فيها بالشبهات ( 2 ) . وقال الحافظ أبو نعيم : إنّ أبا عبد اللَّه جعفر بن محمّد الصّادق عليه السّلام أقبل على العبادة والخضوع ، وآثر العزلة والخشوع ، ولهى عن الرّئاسة والجموع ( 3 ) . وقيل : إنّ التصوّف انتفاع بالنّسب وارتفاع بالسبب ( 4 ) . وقال ابن الجوزيّ وكان عليه السّلام مشغولا بالعبادة عن حبّ الرئاسة ( 5 ) . وعن ابن حمدون أنّه كتب المنصور إلى جعفر بن محمّد عليهما السّلام : لم لا تغشانا كما يغشانا سائر النّاس ؟ فأجابه ليس لنا ما نخافك من أجله ، ولا عندك من أمر الآخرة ما نرجوك له ، ولا أنت في نعمة فنهنّيك ولا تراها نقمة فنعزّيك بها فما نصنع عندك ؟ قال : فكتب إليه تصحبنا لتنصحنا ، فأجابه من أراد الدّنيا لا ينصحك ومن أراد الآخرة لا يصحبك ، فقال المنصور : واللَّه لقد ميّز عندي منازل النّاس من يريد الدّنيا ممّن يريد الآخرة ، وإنّه ممّن يريد الآخرة لا الدّنيا ( 6 ) .
--> ( 1 ) إلى هنا في كشف الغمة ص 224 من كتاب الجنابذي . ( 2 ) المصدر ص 253 . ( 3 ) كشف الغمة : 232 . ( 4 ) كشف الغمة ص 232 . ( 5 ) تذكرة الخواص ص 192 من طبعه الملحق بمطالب السئول . ( 6 ) كشف الغمة ص 240 .